عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
130
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
قال : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ولقد أحسن التلفظ حيث قال بعدها : فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ يعني كانوا يعبدونك وليسوا بمعاندين ولا من الذين لا مولى لهم ، لأن الكافرين لا مولى لهم ، لأنهم على الحقيقة محقون ، لأن الحق تعالى هو حقيقة عيسى وحقيقة أمه وحقيقة روح القدس ، بل حقيقة كلّ شيء ، وهذا معنى قول عيسى عليه السلام : فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ فشهد لهم عيسى أنهم عباد اللّه ، وناهيك بها من شهادة لهم ، ولذلك قال اللّه تعالى عقيب هذا الكلام : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ « 1 » عند ربهم إشارة لعيسى عليه السلام بإنجاز ما طلب ، يعني أنهم لما كانوا صادقين في أنفسهم لتأويلهم كلامي على ما ظهر لهم ، ولو كانوا على خلاف ما هو الأمر عليه نفعهم عند ربهم لا عند غيره ، لأن الحكم عليهم بالضلال عندنا ظاهر الأمر عليه في نفسه ، ولهذا عوقبوا به ، ولما كان مآلهم إلى ما هم عليه به مع اللّه من الحق وهو اعتقادهم في أنفسهم حقيقة ذلك ، فصدقهم في ذلك الاعتقاد نفعهم عند ربهم حتى آل حكمهم إلى الرحمة الإلهية ، فتجلى في أنفسهم بما اعتقدوه في عيسى ، فظهر لهم أن معتقدهم كان حقا من هذا الوجه ، فتجلى عليهم من معتقدهم لأنه عند ظن عبده به فكان الإنجيل عبارة عن تجليات أسماء الذات ، يعني تجليات الذات في أسمائه ، ومن التجليات المذكورة تجلية في الواحدية التي ظهر بها على قوم عيسى في عيسى وفي مريم وفي روح القدس فشهدوا الحقّ في كل مظهر من هذه المظاهر ، وهم ولو كانوا محقين من حيث هذا التجلي فقد أخطئوا فيه وضلوا . أما خطؤهم فكونهم ذهبوا فيه إلى حصر ذلك في عيسى ومريم وروح القدس . وأما ضلالهم فكونهم قالوا بالتجسيم المطلق والتشبيه المقيد في هذه الواحدية ، وليس من حكمها ما قالوه على التقييد ، فهذا هو محلّ خطئهم وضلالتهم فافهم . وليس في الإنجيل إلا ما يقوم به الناموس اللاهوتي في الوجود الناسوتي ، وهو مقتضى ظهور الحق في الخلق ، لكن لما ذهبت النصارى إلى ما ذهبوا إليه من التجسيم والحصر ، كان ذلك مخالفا لما هو في الإنجيل ، فعلى الحقيقة ما قام بما في الإنجيل إلا المحمديون ، لأن الإنجيل بكماله في آية من آيات القرآن وهو قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي « 2 » وليست روحه غيره ، فهذا إخبار اللّه سبحانه وتعالى بظهوره في آدم ثم
--> ( 1 ) آية ( 119 ) سورة المائدة . ( 2 ) آية ( 29 ) سورة الحجر .